الشوكاني

445

فتح القدير

ماض . وقرأ الباقون " فك أو إطعام " على أنهما مصدران وجر رقبة بإضافة المصدر إليها فعلى القراءة الأولى يكون الفعلان بدلا من اقتحم أو بيانا له كأنه قيل : فلا فك ولا أطعم ، والفك في الأصل : حل القيد ، سمى العتق فكا لأن الرق كالقيد ، وسمى المرقوق رقبة لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته ( أو إطعام في يوم ذي مسغبة ) المسغبة المجاعة ، والسغب الجوع ، والساغب الجائع . قال الراغب : يقال منه سغب الرجل سغبا وسغوبا فهو ساغب وسغبان ، والمسغبة مفعلة منه ، وأنشد أبو عبيدة : فلو كنت حرا يا بن قيس بن عاصم * لما بت شبعانا وجارك ساغبا قال النخعي ( في يوم ذي مسغبة ) أي عزيز فيه الطعام ( يتيما ذا مقربة ) أي قرابة ، يقال : فلان ذو قرابتي وذو مقربتي ، واليتيم في الأصل : الضعيف يقال : يتم الرجل : إذا ضعف ، واليتيم عند أهل اللغة : من لا أب له ، وقيل : هو من لا أب له ولا أم ، ومنه قول قيس بن الملوح : إلى الله أشكو فقد ليلى كما شكا * إلى الله فقد الوالدين يتيم ( أو مسكينا ذا متربة ) أي لا شئ له كأنه لصق بالتراب لفقره ، وليس له مأوى إلا التراب ، يقال ترب الرجل يترب تربا ومتربة : إذا افتقر حتى لصق بالتراب ضرا . قال مجاهد : هو الذي لا يقيه من التراب لباس ولا غيره . وقال قتادة : هو ذو العيال . وقال عكرمة : هو المديون . وقال أبو سنان : هو ذو الزمانة . وقال ابن جبير : هو الذي ليس له أحد . وقال عكرمة : هو البعيد التربة الغريب عن وطنه ، والأول أولى ، ومنه قول الهذلي : وكنا إذا ما الضيف حل بأرضنا * سفكنا دماء البدن في تربة الحال قرأ الجمهور " ذي مسغبة " على أنه صفة ليوم ، ويتيما هو مفعول إطعام . وقرأ الحسن " ذا مسغبة " بالنصب على أنه مفعول إطعام : أي يطعمون ذا مسغبة ، ويتيما بدل منه ( ثم كان من الذين آمنوا ) عطف على المنفى بلا ، وجاء بثم للدلالة على تراخى رتبة الإيمان ورفعة محله . وفيه دليل على أن هذه القرب إنما تنفع مع الإيمان ، وقيل المعنى : ثم كان من الذين آمنوا بأن هذا نافع لهم ، وقيل المعنى : أنه أتى بهذه القرب لوجه الله ( وتواصوا بالصبر ) معطوف على آمنوا : أي أوصى بعضهم بعضا بالصبر على طاعة الله ، وعن معاصيه ، وعلى ما أصابهم من البلايا والمصائب ( وتواصوا بالمرحمة ) أي بالرحمة على عباد الله فإنهم إذا فعلوا ذلك رحموا اليتيم والمسكين ، واستكثروا من فعل الخير بالصدقة ونحوها ، والإشارة بقوله ( أولئك ) إلى الموصول باعتبار اتصافه بالصفات المذكورة ( هم أصحاب الميمنة ) أي أصحاب جهة اليمين ، أو أصحاب اليمين ، أو الذين يعطون كتبهم بأيمانهم ، وقيل غير ذلك مما قد قدمنا ذكره في سورة الواقعة ( والذين كفروا بآياتنا ) أي بالقرآن ، أو بما هو أعم منه ، فتدخل الآيات التنزيلية والآيات التكوينية التي تدل على الصانع سبحانه ( هم أصحاب المشأمة ) أي أصحاب الشمال ، أو أصحاب الشؤم ، أو الذين يعطون كتبهم بشمالهم ، أو غير ذلك مما تقدم ( عليهم نار مؤصدة ) أي مطبقة مغلقة ، يقال : أصدت الباب وأوصدته إذا أغلقته وأطبقته ، ومنه قول الشاعر : تحن إلى أجبال مكة ناقتي * ومن دونها أبواب صنعاء مؤصدة قرأ الجمهور " موصدة " بالواو . وقرأ أبو عمرو وحمزة وحفص بالهمزة مكان الواو ، وهما لغتان ، والمعنى واحد . وقد أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ( لا أقسم بهذا البلد ) قال : مكة ( وأنت حل بهذا البلد ) يعني بذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أحل الله له يوم دخل مكة أن يقتل من شاء ويستحيي من شاء ،